كان يا ما كان، في قديم الزمان،
كان فيه وادي هادي بين الجبال، يسمّونه أهل البر وادي النخيل.
الوادي ذا ما هو كبير، بس كان مليان حياة… نخل، عشب أخضر، وبركة مويه صغيرة تجتمع عندها الحيوانات كل ليلة.
في طرف الوادي، كان يسكن أرنب صغير اسمه نَبّيه.
نبّيه كان ذكي، سريع، ومرّة يحب الكلام.
لكن… كان عنده مشكلة وحدة:
كان يستعجل بالحكم على غيره.
إذا شاف أحد ساكت، قال:
“أكيد ما يفهم.”
وإذا شاف أحد بطيء، قال:
“وش فيه ذا؟ ما يعرف شي.”
وفي نفس الوادي، كان فيه سلحفاة كبيرة بالعمر اسمها أم صَبور.
تمشي على مهَل، تهدي كلامها، وما تتكلم إلا إذا لزم.
كل الحيوانات تحترمها، إلا نبّيه… كان يشوفها “مرة بطيئة”.
كل ليلة، قبل النوم، تجتمع الحيوانات حول البركة.
الغزال، العصفور، القنفذ، وحتى الثعلب.
يحكون سواليف، ويتعلمون من بعض.
في ليلة هادية، القمر فيها منوّر الوادي،
قال الغزال:
“يا جماعة، البركة قاعدة تنقص مويتها… لازم نلقى حل.”
العصفور قال:
“يمكن نطلب مطر.”
القنفذ قال:
“أو ندوّر بركة ثانية.”
نبّيه قفز وقال بسرعة:
“أنا أعرف الحل! نفتح قناة من الجبل، الموضوع سهل.”
أم صبور رفعت راسها وقالت بهدوء:
“خلّونا نفكر شوي… الجبل مو سهل، ويمكن فيه خطر.”
نبّيه ضحك وقال:
“يا أم صبور، دايم كذا! بطيئة وتحبين التعقيد.”
سكتت أم صبور، وما ردّت.
قرروا الحيوانات يسمعون كلام نبّيه.
ثاني يوم، راحوا للجبل، وبدؤوا يحفرون قناة صغيرة.
في البداية، الأمور مشت تمام…
لين فجأة، انهار جزء من التراب، وانحبس القنفذ داخل حفرة!
صار هرج ومرج.
العصفور يطير فوق، الغزال خايف، ونبّيه واقف متوتر.
قال نبّيه:
“وش نسوي الحين؟!”
وقتها، تقدمت أم صبور بهدوء، وقالت:
“لا تخافون… الجبل دايم يعطينا إشارات، بس لازم نسمع له.”
طلبت منهم يوقفون الحفر،
وخَلّت العصفور يجيب عشب رطب،
والغزال يجيب مويه،
وبهدوء، سوّوا التراب ثابت، وطلع القنفذ سالم.
سكت الوادي كله.
نبّيه حس بشي غريب في صدره…
أول مرة يفهم إن السرعة مو دايم صح.
في الليل، رجعوا للبركة، والكل ساكت.
القمر كان عالي، والهواء بارد شوي.
نبّيه قرّب من أم صبور وقال بصوت واطي:
“سامحيني… أنا استعجلت، وما سمعت لك.”
ابتسمت أم صبور وقالت:
“مو مشكلة يا نبّيه… كلنا نتعلّم.
بس اللي يسمع، يوصل أسرع من اللي يركض لحاله.”
اليوم اللي بعده، اجتمعوا من جديد.
هذه المرة، فكروا سوا، وحدة وحدة.
لقوا مجرى مويه قديم تحت النخل، نظّفوه،
ورجعت البركة تمتلئ شوي شوي.
ومن ذاك اليوم، تغيّر نبّيه.
صار إذا بغى يتكلم، يسمع أول.
وإذا شاف أحد بطيء، قال:
“يمكن يعرف شي أنا ما أعرفه.”
وصار الوادي أهدى،
والليالي أدفى،
والقمر دايم يشهد إن الصبر، والاستماع، هم أقصر طريق للحل.
وإذا جاك النوم،
تذكّر نبّيه،
وتذكّر إن الهدوء أحيانًا أذكى من السرعة 🌙
تمّت 💤




