(قصة واقعية بأسلوب كويتي)
في فريج هادي من فِرَجان الكويت القديمة، كان ولد اسمه سالم.
سالم ولد هادي، رزين، وعيونه دايمًا تدور على البحر كأنه صديقه اللي ما يتغيّر.
كل عصر، بعد ما يخلص واجباته، يروح يقعد عند السيف، يحط رجوله في الماي، ويسمع صوت الموج كأنه حكاية طويلة ما تنتهي.
أبوه كان بحّار قديم، ودايم يحكيله قصص عن السفر والغوص والسفن الخشبية.
وكان يقول له:
“يا سالم، البحر مثل الإنسان، له ذكرة… وما ينسى اللي يحبه.”
سالم صدّق الكلمة، وصارت تعيش في قلبه.
يوم غريب
في يوم من الأيام، راح سالم للسيف كعادته، لكنه لاحظ شي غريب.
الموية كانت فيها قطع بلاستيك كثيرة، وأكياس تطفو يمين ويسار.
حتى الطيور البحرية كانت تبتعد، كأن المكان ما عاد آمن لها.
سالم جلس على الرمل وقال بصوت منخفض:
“شنو صاير للبحر؟ ليش شكله حزين؟”
مرّ واحد من أهل الفريج كان يمشي عند الساحل، وقال له:
“يا ولدي، هذي مخلفات رموها ناس لا يراعون، والبحر ما يقدر يدافع عن نفسه.”
سالم حسّ بشي داخله يتحرك…
غضب؟ مسؤولية؟ خوف على صديقه الأزرق؟
حتى هو ما عرف بالضبط.
لكنه قال في نفسه:
“إذا الكبار ساكتين… يمكن لازم الصغار يتحركون.”
قرار سالم
رجع سالم البيت، أكل على عجَل، وصعد غرفته.
جاب ورقة وكتب فيها:
“أنقذوا بحرنا”
وبدأ يخطط…
كيف ولد واحد ممكن يحمي بحر كامل؟
بس سالم ما كان يفكر بحجمه… كان يفكر بحبه.
ثاني يوم، راح المدرسة ومعاه دفاتر كثيرة.
كتب منشورات صغيرة بخط مرتب:
“إذا ما حافظنا على البحر… منو بيحافظ؟
لا ترمي أكياس، لا تترك زبالة، خلّ الموج يظل نظيف.”
وزعها على زملاء صفه، وبعض الأطفال بدأوا يضحكون:
“يا سالم، انت شكو؟ البحر كبير، البلاستيك أكبر منك!”
لكن سالم رد بابتسامة:
“أكبر شي يبدأ من أصغر خطوة.”
يوم التنظيف
بعد ثلاث أيام، سالم شجّع أربعة من ربعه.
وبعدين لحقهم أطفال زيادة…
لين صار عددهم عشرين طفل، كلهم يجتمعون بعد المدرسة عند السيف.
سالم وزّع عليهم أكياس تنظيف وقفازات.
وقال بنفس صوته الهادي:
“احنا مو قاعدين نسوي شي كبير… احنا نرجّع البحر يشم نفس.”
جلسوا ينظفون الساحل ساعة كاملة.
شالوا البلاستيك، العلب، الخيوط، وحتى شبكات صيد قديمة.
واحد من الأطفال قال:
“سالم… شوف! البحر صار يلمع!”
ضحك سالم وقال:
“هذا البحر يبتسم لنا.”
المفاجأة
بعد أسبوع، واحد من المسؤولين في المنطقة سمع عن الأطفال اللي ينظفون السيف.
راح بنفسه وشافهم.
وبعد ما رجع، أصدر قرار مهم:
“إنشاء مبادرة رسمية لتنظيف الساحل كل أسبوع، بمشاركة المدارس والمتطوعين.”
أهل الفريج ما صدقوا.
والأكثر فرحًا كان أبو سالم، اللي حضن ولده وقال له:
“سويت اللي ما قدر عليه كبار. البحر ما نساك يا سالم.”
النهاية الدافئة
ومن ذاك اليوم، صار سالم معروف بين الناس انه ولد يحب البحر.
صاروا ينادونه: سالم ابن الموج.
وكل مرة يقعد عند الساحل، يسمع صوت الموج يقول له بصوت خفيف:
“شكراً يا اللي ما نساني.”
وسالم يبتسم… لأنه يعرف إن البحر فعلاً له ذاكرة.




